٦ هذه المجموعة الجديدة

"النقلة" المسيحيين من اليونانية والسريانية إلى العربية ، أو ابن العبري ، المؤرخ الشهير (المتوي سنة 1286) ، او جبران خليل جبران ، صاحب كتاب "النبي" (المتوفي سنة 1931) ، والقليلين غيرهم .

على ان العدد الاكبر من المؤلفين العرب المسيحيين ، يكاد الجمهور المثقف في بلادنا يجهلهم تماما ، مع أنهم خلفوا لنا آثارا جديرة بالفخار والاعتزاز في شتى الميادين ، كالطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة وعلم الكلام والتاريخ والقانون والعلوم الطبيعية والشعر وغيرها.

وإن هذه المجموعة الجديدة ، مجموعة "التراث العربي المسيحي" ، إنما أنشئت لكي تطلع جمهور المثقفين على ما انتجه الفكر العربي المسيحي من آثار أدبية وعلمية ، وما أسهم به في نشأة الثقافة العربية على وجه العموم وتطويرها ، علما بأن الكتبة العرب المسيحيين ليسوا قلة ، بل يعدون بالمئات ..

ولا بد لنا هنا من شرح الكلمات الثلاث التي اخترناها للدلالة على مجموعتنا هذه الجديدة . فالتراث هو ما آل الينا من أسلافنا المسيحيين منذ القرن السادس الميلادي حتى العصر الحديث ، وإن كنا نركز ، في هذه الحقبة الطويلة من تاريخ إنتاجنا الفكري ، على ما نسميه العصر الذهبي للأدب المسيحي في الشرق ، وهو يمتد من نحو سنة 750 الى نحو سنة 1350 .

ومن بين مخلفات هذا الانتاج الفكري الشامل المتنوع ، اخترنا ما كتب منه باللغة العربية ، دون اليونانية او السريانية او القبطية ، سواء أكان منقولا منذ القدم عن اللغات الاجنبية ، أم وضع أصلا باللغة العربية . وغني عن القول أن العروبة التي نعنيها في مجموعتنا هذه تقتصر على عروبة اللغة والبيئة الثقافية والحضارية .

ثم اننا نحصر هذا الانتاج الفكري في ما وضعه المؤلفون المسيحيون في مضمار علم الكلام او الفلسفة او الطب او الادب وما شاكل . فالعبرة إذا في اختيارن ليست لمضمون الكتاب ، بل لمجرد كون واضعه من المسيحيين العرب القدماء .

وبمختصر الكلام ، فان مجموعتنا هذه إنما تعتزم نشر التراث الثقافي العربي

  ٧

الذي خلفه لنا الكتاب المسيحيون في العالم العربي ، أيا كان مضمون مؤلفاتهم ، وأيا كانت الجمعة المذهبية التي ينتمون اليها .

اننا بنشرنا هذه المجموعة نقصد القارئ لعربي قبل غيره من المولعين بالثقافة الشرقية عموما ، والعربية خصوصا . لكن هدفنا هذا لا يعني بالنسبة لنا الاكتفاء بطبعات مبسطة او غير ذي طابع علمي . فالتطور الثقافي في العالم العربي المعاصر يفرض علينا اسلوبا علميا دقيقا . لذلك أخذنا على عاتقنا ألا ننشر النصوص التي نختارها إلا بعد تحقيق دقيق ومقارنة حثيثة بين اكبر عدد ممكن من المخطوطات ، واكثرها أمانة للأصل ، فنضع بين أيدي القراء العرب نصا أقرب ما يكون الى الأصل الذي وضعه المؤلف ، متحاشين في الوقت عينه التعقيد الذي يميل اليه بعض المستشرقين ، ممن يوردون في حواشي الصفحات ما قيمة له وما لا قيمة له من مختلف اخطاء الناسخين ، فيجعلون النص صعب القراءة ، مبهم المعنى .

في كل مجلد من مجلدات هذه المجموعة — وقد يناهز عددها المئة ، ان شاء الله — سوف يجد القارئ نصا او اكثر لأحد المؤلفين العرب المسيحيين ، مع مقدمة مسهبة عن سيرة حياة المؤلف وتآليفه ، وتحليل منطقي للنصوص المنشورة ، تتبعها فهارس مفصلة تسهل عمل اللغويين وسواهم من الباحثين . نضيف الى ذلك مقدمة مختصرة في إحدى اللغات الاجنبية ، مع ذكر المصادر المطبوعة باللغة العربية واللغات الاجنبية ، تسهيلا لاستعمال الكتاب على الذين لا يجيدون اللغة العربية قدر ما ينبغي .

أما الهدف الذي نتوخاه من وراء نشر هذه المجموعة فهو مثلث :

الهدف الاول ثقافي علمي ، يرمي إلى إطلاع المثقفين العرب والمستشرقين على جزء كبير من الانتاج الفكري العربي ، بقي حتى الآن غامضا عليهم او مجهولا .

والهدف الثاني هو ديني ، يرمي إلى حمل المسيحيين في العالم العربي على اكتشاف ينابيع فكرهم الاصيل ، علما بأن الكثيرين منهم قد يجنحون الى تجاهل ذاك التراث العربي المسيحي الذي هو تراثهم . وبذلك نسهم ، قدر